محمود بن حمزة الكرماني
53
البرهان في متشابه القرآن
غلبة التصنيف في الضرب الثاني من المتشابه المقابل للمحكم : هناك عوامل أدت إلى غلبة التصنيف في هذا النوع دون سواه : منها : أن أهل الفرق يتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة بتوجيهه التوجيه الذي يخدم أفكارهم وأهواءهم ونظرياتهم ، فكان هؤلاء أشد خطرا على المسلمين من ألدّ خصومهم ، وقد بدأ معسكر أهل الظلام في الزحف داخل هذه الوجهة منذ القرن الأول للهجرة بظهور السبئية وفرق الخوارج ، ثم أخذت الملل والنحل والفرق تتكاثر ، وأخذ كل فريق يؤول الكتاب تأويلا يوافق مذهبه . ولما كانت هذه الفرق ذات أصل سياسي فقد امتزج التأويل بالعمل السياسي والصراع على السلطة والنحل ، واشتد هذا النوع من الفكر حتى بلغ ذروته في القرنين الرابع والخامس من الهجرة ، وأخذت الفرق الضالة والمارقة تلعب دورا خطيرا في التاريخ الإسلامي ، وتدخلت في تحديد شروط الخلافة والإمامة بل وشروط الإسلام ، ومن هذه الفرق : القرامطة والباطنية وغلاة الشيعة ، بل تأسست الدولة الفاطمية في تونس والخلافة الفاطمية في القاهرة على أساس الدعوة الباطنية التي بلغت في تنظيم الكوادر السرية مبلغا يشبه ما تقوم به الدعوات الشمولية في التاريخ الحديث ، وكان الإرهاب أهم عنصر من عناصرها ، فكثرت الاغتيالات التي تهدف إلى التخلص من قادة الأمة وزعمائها . * ووجدت بعض الفرق أن احتواء الحكام هو أسهل الطرق لتسخير السلطة في خدمة أغراضهم وتحقيق أهدافهم وحماية أتباعهم والفتك بخصومهم ، فحققوا عن طريق هذا الأسلوب ما لا يحملون بتحقيقه . * واتخذت بعض الفرق من الغزو الثقافي وسيلة لنشر أفكارهم وبثها بين المثقفين فكان لهم النشاط الوافر في عالم التأليف « 1 » ليتمكنوا عن طريق مصنفاتهم من درس أفكارهم وتغطية الحقائق وتعمية القضايا على الجهلة فوقع في شباكهم من لا خبرة له ولا دراية في عالم الفكر . * والتجأت بعض الفرق إلى التزوير العلمي واتخذوا من الدس والتدليس والوضع والافتراء وسيلة لتشكيك الأمة في أئمتها وقادتها . * لم تستنكف بعض الفرق من الاستعانة بألد الأعداء لغزو أوطانهم . واستدعى انتشار الزنادقة والملاحدة ومن في حكمهم : استدعى ذلك مواجهتهم رسميا وعلميا للحفاظ على الشريعة ووقاية الأمة من كل مفسد ومنافق عليم اللسان .
--> ( 1 ) راجع : الفرق بين الفرق لعبد القاهر بن طاهر البغدادي ( ت 429 ه ) . والفصل في الملل والأهواء والنحل للإمام الظاهري علي بن حزم ( ت 456 ه ) . والملل والنحل لمحمد بن عبد الكريم الشهرستاني ( ت 549 ه ) وغيرها .